أحمد بن محمد المقري التلمساني
13
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
أعلام الأعلام ، فينجرّ بنا الكلام ، والحديث شجون ، وبالتفنن يبلغ المستفيدون ما يرجون إلى ذكر البلاد الأندلسية ، ووصف رياضها السندسية التي هي بالحسن منوطة . . فصرت أورد من بدائع بلغائها ما يجري على لساني ، وأسرد من كلام وزيرها لسان الدين بن الخطيب ما تثيره المناسبة وتقتضيه من النظم الجزل ، والإنشاء الذي يدهش به ذاكرة الألباب ، وتعرفه في فنون البلاغة حالي الولاية والعزل ، إذ هو فارس النظم والنثر في ذلك العصر ، فلما تكرر ذلك غير مرة على أسماعهم لهجوا به دون غيره حتى صار كأنه كلمة إجماعهم ، وعلق بقلوبهم ، وأضحى منتهى مطلوبهم » . ثم ذكر في المقدمة أسباب إقدامه على تأليف الكتاب ، ولعل أهمها إصرار المولى أحمد الشاهيني على تأليف هذا الكتاب في بديع ما أنتجته قريحة لسان الدين بن الخطيب ، ولكن المؤلف اعتذر وقدم بين يدي اعتذاره الأسباب ، غير أن الشاهيني أصر على طلبه ، ولم يقبل منه عذرا حتى وعد بالعمل على التأليف . وبعد أن وصل المقري إلى القاهرة واستقر بمصر وضع تصميم الكتاب وكتب منه نبذة ، غير أن أحوال الدهر وتقلباته جعلته يضرب عن إكمال ما بدأ ، لكن الشاهيني عاد يذكره من جديد بما وعد ، ويستنجز وعده راجيا إكماله مما شجعه على العودة إلى إتمام الكتاب . وحدث له حين الشروع بالتأليف عزم على زيادة ذكر الأندلس جملة قبل الحديث عن لسان الدين ، وساعده على ذلك افتتانه بها حتى ليظن قارىء النفح أنه أندلسي الأصل والمولد والنشأة ، إضافة إلى سبق اهتمامه بالأدب والتاريخ الأندلسيين ، واقتنائه في المغرب كثيرا من هذه الكتب ، وقد ذكر ذلك فقال : « ولو حضرني ما خلفته مما جمعت في ذلك الغرض وألفته لقرّت به عيون وسرّت به ألباب » . ولعل هذه النقطة بالذات تجعلنا نرجح أن زيارته دمشق وطلب الشاهيني منه تأليف كتاب عن لسان الدين بن الخطيب لم يكونا إلا إزالة الستار عن أشياء في ذهن أديبنا ، وأنه كان في ذهنه ، ومنذ زمن بعيد ، أن يكتب في هذا الموضوع ، ولكن كانت تؤخره ظروف وأحوال ، حتى كان القرار النهائي بعد زيارة دمشق . والجدير بالذكر هنا أن المقري لم يكن يهدف من تأليف الكتاب ربحا ماديا ، أو مصلحة عاجلة « لم يكن جمعي - علم اللّه - هذا التأليف لرفد استهديه ، أو عرض نائل أستجديه ، بل لحق ودّ أؤديه ، ودين وعد أقدمه وأبديه ، وتلبية داع أحييه وأفديه » . ويتحدث المقري عن تنسيق الكتاب فيقول : « بعد أن ضمنت تمام هذا التصنيف ، وأمعنت النظر فيما حصل التقريظ لسامعه والتشنيف قسمته قسمين : القسم الأول فيما يتعلق بالأندلس من الأخبار . والقسم الثاني في التعريف بلسان الدين بن الخطيب » .